استهل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر مقابلته العامة مع المؤمنين قائلا نبدأ اليوم سلسلة تعاليم حول الوثيقة الأولى الصادرة عن المجمع الفاتيكاني الثاني: الدستور في الليتورجيا المقدسة Sacrosanctum Concilium (المجمع المقدس)، وأشار إلى أن آباء المجمع قد أرادوا من خلال إعداد هذا الدستور ليس فقط البدء بإصلاح الطقوس إنما إرشاد الكنيسة للتأمل والتعمق في ذلك الرباط الحي الذي يكوّنها ويوحدها: سر المسيح. إن الليتورجيا في الواقع تلمس قلب هذا السر: فهي المكان والزمان والإطار الذي تنال فيه الكنيسة من المسيح حياتها. ففي الليتورجيا “يتمّ عمل فدائنا”، الذي يجعل منا ذرية مختارة وكهنوتًا ملوكيًا وأمّة مقدسة وشعبًا اقتناه الله لنفسه (راجع ١ بطرس ٢، ٩). وتابع البابا لاوُن الرابع عشر لافتًا إلى أنه كما أظهر التجديد الثلاثي – البيبلي والآبائي والليتورجي– الذي مرت به الكنيسة خلال القرن العشرين، فإن هذا السر لا يشير إلى واقع غامض بل إلى مخطط الله الخلاصي المخفي منذ الأزل والمُعلن في المسيح، بحسب تأكيد القديس بولس (راجع أفسس ٣، ٣ – ٦). هذا هو السر المسيحي: الحدث الفصحي، أي آلام المسيح وموته وقيامته وتمجيده، والذي يصبح حاضرا بشكل أسراري في الليتورجيا، بحيث ننغمس في هذا السر كل مرة نشارك فيها في الجماعة المجتمعة “باسمه” (متى ١٨، ٢٠).
وأضاف البابا لاوُن الرابع عشر أن المسيح هو المصدر الداخلي لسر الكنيسة، شعب الله المقدس الذي وُلد من جنبه المطعون على الصليب. وفي الليتورجيا المقدسة، بقوة روحه القدوس، يواصل عمله. يقدس الكنيسة، عروسه، ويشركها في تقدمته للآب. يمارس كهنوته الفريد، هو الحاضر في الكلمة المعلنة، في الأسرار المقدسة، في الخدّام الذين يحتفلون بها، في الجماعة المجتمعة، وبأسمى درجة، في الإفخارستيا. وهكذا، يقول القديس اغسطينوس، من خلال الاحتفال بالافخارستيا، تنال الكنيسة جسد الرب وتصبح ما نالته، تصبح جسد المسيح “مَسكِنًا للهِ في الرُّوح” (أفسس ٢، ٢٢). هذا هو عمل فدائنا، الذي يجعلنا على صورة المسيح ويبنينا في الشركة. وفي الليتورجيا المقدسة، تتحقق هذه الشركة “من خلال الطقوس والصلوات” (راجع الدستور في الليتورجيا المقدسة، ٤٨)، أضاف البابا لاوُن الرابع عشر يقول، مشيرا إلى أن الطقوس في الكنيسة تعبّر عن إيمانها، وفي الوقت نفسه تصوغ الهوية الكنسية: الكلمة المعلنة، الاحتفال بالسر، الصمت والمكان، كل ذلك يمثل ويشكل الشعب الذي دعاه الآب، جسد المسيح، هيكل الروح القدس. وهكذا، يصبح كل احتفال ظهورًا حقيقيا للكنيسة التي تصلي، كما ذكّرنا البابا القديس يوحنا بولس الثاني.
وبما أن الليتورجيا هي لخدمة سر المسيح، نفهم لما تم وصفها “بالقمة التي يرتقي إليها عمل الكنيسة وهي إلى ذلك المنبع الذي تنبع منه كل قوتها”، كما جاء في الدستور في الليتورجيا المقدسة، أضاف البابا لاوُن الرابع عشر يقول، وأشار إلى أن عمل الكنيسة لا ينحصر فقط في الليتورجيا، فكل نشاطاتها (الكرازة، خدمة الفقراء، ومرافقة الواقع الإنساني) تتجه نحو هذه “القمة”. كما أن الليتورجيا تسند المؤمنين، ومن خلال إعلان الكلمة والاحتفال بالأسرار والصلاة المشتركة، يتشجعون ويتجددون في التزامهم بالإيمان ورسالتهم. وبكلمة أخرى، إن مشاركة المؤمنين في العمل الليتورجي هي في الوقت نفسه “داخلية” و”خارجية”. ما يعني أيضا أنها مدعوة إلى أن تنمو بشكل ملموس في الحياة اليومية، في دينامية أخلاقية وروحية، وهكذا فإن الليتورجيا المُحتفل بها تُترجم إلى حياة وتتطلب حضورا أميناً، قادرا على أن يجعل ملموسا ما تم عيشه في الاحتفال: وهكذا قال البابا لاوُن الرابع عشر في مقابلته العامة مع المؤمنين صباح اليوم الأربعاء، تصبح حياتنا ” ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسةً مَرْضِيَّةً عِندَ الله” محققة “عبادتنا الروحية” (راجع روما ١٢، ١). وهكذا “تقوم الليتورجيا كل يوم ببناء من هم في الداخل هيكلاً مقدسًا في الرب”، كما جاء في الدستور في الليتورجيا المقدسة، وتكوّن جماعة منفتحة مضيافة تجاه الجميع. فهي في الواقع تُدخلنا في حياة المسيح وتجعلنا جسده، وتمثل في جميع أبعادها علامة لوحدة كل الجنس البشري في المسيح.
التعليقات مغلقة.